ابن العربي

270

أحكام القرآن

العليم . وذلك لأنها كانت لا ولد لها ، فلما حملت نذرت إن اللّه أكمل لها الحمل ووضعته فإنه حبس على بيت المقدس « 1 » . المسألة الرابعة - قال أشهب عن مالك : جعلته نذرا تفي به . قالوا : فلما وضعتها ربّتها حتى ترعرعت ، وحينئذ أرسلتها . وقيل : لفّتها في خرقها وقالت : ربّ إني وضعتها أنثى ، وليس الذكر كالأنثى ، وقد سميتها مريم ، وإني أعيذها بك وذرّيّتها من الشيطان الرجيم ، وأرسلتها إلى المسجد وفاء بنذرها ، كما أشار إليه مالك ، وتبرّيا منها حين حررتها للّه ، أي خلصتها . والمحرر والحرّ : هو الخالص من كل شيء . المسألة الخامسة - لا خلاف أنّ امرأة عمران لا يتطرّق إلى حملها نذر لكونها حرّة ، فلو كانت امرأته أمة فلا خلاف أنّ المرء لا يصحّ له نذر ولده كيف ما تصرفت حاله ؛ فإنه إن كان الناذر عبدا لم يتقرر له قول في ذلك ، وإن كان الناذر حرّا فولده لا يصحّ أن يكون مملوكا له ؛ وكذلك المرأة مثله ؛ وأي وجه للنذر فيه ؟ وإنما معناه - واللّه أعلم - أنّ المرء إنما يريد ولده للأنس به والاستبصار والتسلّى والمؤازرة ؛ فطلبت المرأة الولد أنسا به وسكونا إليه ، فلما منّ اللّه تعالى عليها به نذرت أنّ حظّها من الأنس به متروك فيه ؛ وهو على خدمة اللّه تعالى موقوف . وهذا نذر الأحرار من الأبرار ، وأرادت به محرّرا من جهتي ، محررا من رقّ الدنيا وأشغالها . فتقبّله منّى . وقد قال رجل من الصوفية لأمّه : يا أمّاه ؛ ذريني للّه أتعبّد له وأتعلّم العلم . فقالت : نعم ، فسار حتى تبصّر ثم عاد إليها فدقّ الباب ، فقالت : من ؟ قال : ابنك فلان . قالت : قد تركناك للّه ولا نعود فيك . المسألة السادسة - قوله : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى . يحتمل أن تريد به في كونها تحيض ولا تصلح في تلك الأيام للمسجد . ويحتمل أن تريد بها أنها امرأة فلا تصلح لمخالطة الرجال ؛ وعلى كلّ تقدير فقد تبرّأت منها ، ولعلّ الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام .

--> ( 1 ) في ابن كثير ( 1 - 359 ) : امرأة عمران هذه هي أم مريم عليها السلام ، وهي حنة بنت فاقوذ .